fbpx
تقارير

أمل دنقل .. الحاضر الغائب في مشهد التيه العربي

في مايو عام 1983 رحل الشاعر المصري الكبير أمل دنقل ” أمير شعراء الرفض” ، الذي تحل ذكراه السابعة والثلاثون بعد أيام، رحل أمل دنقل بعد مسيرة قصيرة في الحياة عموما، وفي الشعر على وجه الخصوص، إذ كان يبلغ وقت وفاته 43 عاما قضى أكثر من نصفها في محراب الشعر، ورغم سنوات عمره القصير إلا أن ” الجنوبي ” ترك ميراثا شعريا ما زال حاضرا بقوة في كل ما يشهده العالم العربي من أحداث، فرغم ابتعاده عن الاشتغال بالسياسة بشكل مباشر إلا أن دنقل انغمس شعريا في قضايا وهموم العالم العربي كله حتى أذنيه.

قبل عام 1967 لم يصدر أمل دنقل إلا ديوانا وحيدا هو ” مقتل القمر ” وكان الديوان رومانسيا بدرجة كبيرة لم يلفت الأنظار وقتها، وجاءت هزيمة حزيران لتحول المجرى الشعري لأمل دنقل نحو الاشتباك مع القضايا والهموم التي تثقل كاهل الأمة العربية ، يا أخوتي الذين يعبرون في الميدان مطرقين .. منحدرين من نهاية المساء .. في شارع الأسكندر الأكبر .. لا ترفعوا رؤوسكم إلي .. فربما إذا التقت عيونكم بالموت في عيني  .. ينحسر الفناء داخلي .. هكذا يفتتح أمل دنقل قصيدته ” كلمات سبارتكوس الأخيرة” متحدثا عن الجموع المقهورة والمثقلة بالهزيمة، بينما الثائر من أجل تلك الجموع معلق على شجرة ينتظر الموت، أما قصيدة ” البكاء بين يدي زرقاء اليمامة ” فقد كانت صرخة غضب كبرى في وجه الهزيمة، وفي وجه من لم يستطيعوا رؤية ما كان يحاك ليتحول إلي كابوس ما زالت آثاره تترك علامتها الموجعة على جسد الوطن ” أيتها العرافة المقدسة .. جئت إليك مسخنا بالطعنات والدماء .. أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة .. منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ .. أسأل يا زرقاءْ ..عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء .. عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة .. عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء .. عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء.. فيثقب الرصاصُ رأسَه .. في لحظة الملامسة ! .. عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء !! .. أسأل يا زرقاء .. عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدارْ ! .. عن صرخة المرأة بين السَّبي. والفرارْ ؟ .. كيف حملتُ العار.. ثم مشيتُ ؟ دون أن أقتل نفسي ؟ ! دون أن أنهار ؟ ! .. ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة ؟ ! ” يصرخ أمل دنقل في وجه الهزيمة لكنه لا يستسلم .

بعد وفاة الزعيم جمال عبد الناصر يكتب أمل دنقل ” لا وقت للبكاء .. فالعلم الذى تنكسينه على سرادق العزاء .. منكس فى الشاطئ الآخر ،والأبناء ..يستشهدون كى يقيموه .. على “تبة” ،  .. العلم المنسوج من حلاوة النصر ومن مرارة النكبة .. خيطاً من الحب .. وخيطين من الدماء .. العلم المنسوج من خيام اللاجئين للعراء .. ومن مناديل وداع الأمهات للجنود  .. فى الشاطئ الآخر ملقى فى الثرى .. ينهش فيه الدود ، .. ينهش فيه الدود .. واليهود” ، يرفض أمل الهزيمة يرفض حتى الحزن إلا بعد تحرير الأرض وتظل فلسطين وقضايا العرب هاجسه الذي لا يغيب .

اصدر أمل ديوان ” العهد الآتي ” مستوحيا العنوان والنسق الشعري من الكتاب المقدس، ليتحدث عن فلسطين، تلك التي صارت أيقونة التضحية والاستشهاد والنضال، وفي قصيدته ” سرحان لا يتسلم مفاتيح القدس” المهداة إلي الفلسطيني سرحان بشارة سرحان الذي قام باغتيال الرئيس الأمريكي المنتخب ” روبرت كنيدي” عام 1976 لأنه وعد بمنح إسرائيل طائرات حربية متطورة” يستشرف ” الجنوبي ” مآلات الصراع التي كانت وقتها تتجه نحو التفاوض مع العدو ” اشتري في المساء قهوة وشطيرة .. واشتري شمعتين. وغدارة، وذخيرة وزجاجة ماء .. عندما أطلقَ النارَ كانت يد القدس فوق الزناد .. (ويدُ اللهِ تخلعُ عن جسدِ القدسِ ثوبَ الحداد. ليس من أجل أن يتفجَّرَ نفطُ الجزيرة) .. ليس من أجل أن يتفاوض من يتفاوض من حول مائدة مستديرة .. ليس من أجل أن يأكل السادة الكستناء”.

لكن الشاعر الكبير كان يرى المستقبل بعيني ” زرقاء اليمامة ” فيقول ” عجوزٌ هي القُدْسُ (يشتعل الرأسُ شيبًا) .. تشمُّ القميصَ فتبيضُّ أعيُنُها بالبكاء، .. وتخلع الثوبَ حتى يجئ لها نبأٌ عن فتاها البعيد .. أرضُ كنعانِ – إن لم تَكُنْ أنتَ فيها – مراعٍ من الشوك يورثها الله من شاء من أمم، .. فالذي يحرس الأرضَ ليس الصيارف .. إن الذي يحرس الأرضَ ربُّ الجنود .. آه من في غد سوف يرفع هامته غير من طأطأوا حين أزَّ الرصاص؟ .. ومن سوف يخطب – في ساحة الشهداء – سوى الجبناء؟ .. ومن سوف يغوي الأرامل إلا الذي سيؤول إليه خراج المدينة!!؟ .

لكنه أيضا يرفض الاستسلام، يرفض التسليم بالعجز والخضوع، فيقول في قصيدة ” في انتظار السيف ” ” ايها السادة لم يبق اختيار .. سقط المهر من الإعياء وانحلت سيور العربة .. ضاقت الدائرة السوداء حول الرقبة .. صدرنا يلمسه السيف .. وفي الظهر الجدار .. أيها السادة لم يبق انتظار .. قد منعنا جزية الصمت لمملوك وعبد .. وقطعنا شعرة الوالي ابن هند .. ليس ما نخسره الآن .. سوى الرحلة من مقهىى إلي مقهى .. ومن عار لعار ” . ومرة أخرى يرى المستقبل يرى تكالب الخونة والمتآمرين على الأمة فيقول ” عندما تهبطين على ساحة القوم .. لا تبدأي بالسلام  .. فهم الآن يقتسمون صغارك فوق صحاف الطعام .. بعد أن أشعلوا النار في العش والقش والسنبلة .. وغدا يذبحونك بحثا عن الكنز في الحوصلة .. غدا تغتدي مدن الألف عام .. مدنا للخيام .. مدنا ترتقي درج المقصلة” .

عندما قرر السادات الذهاب إلي القدس وبدء مباحثات ” سلام ” مع الإسرائيليين كانت صدمة المثقفين العرب كبيرة، وكان أمل دنقل في الموعد كعادته يحذر ويتوعد ويرفض ” ، جاء ديوانه ” أقوال جديدة في حرب البسوس ” صرخة الرفض لمشاريع الاستسلام للعدو الصهويني مستلهما قصة كليب والزير سالم في قصائد الديوان التي افتتحها بقصيدة لا تصالح قائلا ” لا تصالح ولو منحوك الذهب .. ترى حيت أفقأ عينيك ثم أثبت جوهرتين مكانهما .. هل ترى ؟ .. هي أشياء لا تشترى ” ويواصل الشاعر الكبير متحدثا على لسان كليب المغدور في وصيته لأخيه الزير سالم  ” كيف تخطو على جثة ابن ابيك .. كيف تكون المليك على أوجه البهجة المستعارة .. كيف تنظر في يد من صافحوك فلا تبصر الدم في كل كف .. إن سهما أتاني من الخلف .. سوف يجيئك من ألف خلف .. فالدم الآن صار وساما وشارة .. لا تصالح ولو توجوك بتاج الإمارة ” لا يكف أمل في قصيدته ” الصرخة ” عن التذكير بالمقاومة ورفض الاستسلام يقول ” لا تصالح ولو قيل ما قيل من كلمات السلام .. كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟ .. كيف تنظر في عيني امرأة.. أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟ .. كيف تصبح فارسها في الغرام؟ كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام – كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟ .. لا تصالح .. ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام وارْوِ قلبك بالدم.. واروِ التراب المقدَّس.. واروِ أسلافَكَ الراقدين.. إلى أن تردَّ عليك العظام! ” .

لا يتوقف دنقل في ديوانه – الوثيقة – عن التأكيد على استمرار المقاومة وأنها ليست شأن أشخاص بعينهم أو حتى أجيال، فينتقل في القصدة الثانية في الديوان عن الحديث عن ” اليمامة ” أبنة كليب، عندما ذهب لها من يحاولون إقناعها بالصلح .. يقول أمل على لسان اليمامة ” أبي .. لا مزيد .. أريد أبي عند بوابة القصر .. شاخصا فوق حصان الحقيقة .. ولست أطلب المستحيل ولكنه العدل .. هل يرث الأرض إلا بنوها؟  .. وهل تتناسي البساتين من سكنوها؟ ” إنه العدل الذي يبحث عنه الشاعر في كل قصائده، وإنه الرغبة في المقاومة ورفض الاستسلام الذي لا يحيد عنه .

ربما كان لهذا الديوان تحديدا مكانة خاصة في منتج أمل دنقل الشعري، وكان له ايضا صدى في واقعة حدثت في العاصمة الأردنية عمان بعد وفاة أمل بنحو عامين، كانت أرملة أمل، الناقدة الكبيرة عبلة الرويني تحضر مؤتمرا ثقافيا في عمان، عندما داعبها الشاعر السوري الكبير ” ممدوح عدوان ” قائلا ” يا بتوع الكامب ” في إشارة إلي معاهدة كامب ديفيد التي وقعها السادات، غضبت عبلة الرويني بشدة واعتبرتها إهانة، فما كان من ممدوح عدوان إلا أن جاء في الأمسية الشعرية الخاصة بالمؤتمر وألقى قصيدة عن مصر بعنوان ” زفة شعبية ” قائلا أهدي القصيدة إلي روح مغنى مصر الأصيل أمل دنقل .

لم يتسني لأمل دنقل أن يرى ديوانه الأخير مطبوعا، فقد وافته المنية بعد أن اصيب بالسرطان ورقد في الغرفة رقم 8 بالمعهد القومي للأورام لشهور، وبعد وفاته جمع أصدقائه القصائد التي كتبها في فترة مرضه واصدروها في ديوان تحت عنوان ” أوراق الغرفة 8 ” .

كان من المفارقات التي حدثت في تلك الفترة ان صديق أمل دنقل القاص والروائي الكبير ” يحي الطاهر عبد الله ” لم يذهب إلي أمل لزيارته في المستشفى، وعندما ذهب إليه الشاعر الكبير الراحل عبد الرحمن الأبنودي ليحثه على زيارة أمل قال له ” لا أستطبع رؤية أمل في فراش المرض ينتظر الموت ” بعدها بيومين سافر يحي الظاهر عبد الله إلي بلدته في محافظة قنا جنوب مصر وتوفى في حادث سير، فنعاه أمل في قصيدة بديعة مخاطبا فيها ابنته أسماء ” ليت اسماء تعرف أن اباها صعد .. لم يمت .. هل يموت الذي كان يحيا كأن الحياة أبد .. وكأن الشراب نفد .. وكأن البنات الجميلات يمشين فوق الزبد .. عاش منتصبا بينما القلب ينحني يفتش عما فقد .. ليت اسماء تعرف .. أن البنات الجميلات خبأنه بين أوراقهن .. وعلمنه أن يسير ولا يتلقي بأحد ” .

وتبقى ” لقاء خاص مع ابن نوح ” درة قصائد هذا الديوان الذي ودع به أمل الشعر والحياة معا، يقول في ختام القصيدة، ” طوبى لمن طعموا خبزه في الزمان الحسن .. وأدروا له الظهر يوم المحن .. ولنا المجد .. نحن الذين وقفنا وقد طمس الله أسمائنا .. نأبي الفرار ونأبي النزوح .. نأوي إلي جبل لا يموت .. يسمونه الشعب ..  كان قلبي الذي ملأته الجروح .. كان قلبي الذي لعنته الشروح .. يرقد فوق حطام المدينة .. وردة من عطن .. بعد أن قال لا للسفينة .. وأحب الوطن “.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق