fbpx
بحوث

المصالح التركية في غاز شرق المتوسط

أويا

وقعت تركيا في شهر نوفمبر 2019 اتفاقًا مع حكومة الوفاق الليبية، المُعترف بها من قبل الأمم المتحدة، والتي تدعمها أنقرة؛ لترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة «Exclusive Economic Zone»  للبلدين في البحر المتوسط، والتي يحق لكل منهما السيطرة على مواردها.

ووفقًا لهذه الاتفاقية والخرائط المرفقة بها، فإن المنطقتين الاقتصاديتين المنصوص عليهما لتركيا وليبيا، تتداخلان مع المناطق الاقتصادية التي تتمسك بها جزيرتا كريت اليونانية، والقبرصية. وبالتالي تعد هذه الاتفاقية خطوة جديدة في محاولات تركيا التنازع مع جيرانها على اكتشافات الطاقة الجديدة في منطقة شرق البحر المتوسط، خاصة مع جزيرة قبرص، وهي تُضاف إلى قيامها أكثر من مرة في عام 2018، وقبل ذلك، بمنع سفن مملوكة لشركات تنقيب عالمية من تنفيذ مهامها في المنطقة الاقتصادية الخالصة القبرصية، وإرسال تركيا بدورها في عام 2019 لسفن بحث وتنقيب إلى المنطقة القبرصية، مصحوبة بقطع بحرية عسكرية، بالإضافة إلى إجرائها لأكبر تدريبات عسكرية في تاريخ البحرية التركية، استعرضت فيها كامل قدراتها الحربية العاملة في البحر الأسود، وبحر ايجة، والبحر المتوسط، وإعلانها إنشاء قاعدة عسكرية جديدة في شمال قبرص الذي تسيطر عليه، وتوسيع القاعدة الجوية القائمة بالفعل هناك.

وقد تصاعدت الإجراءات والتهديدات التركية التي تسعى لعرقلة وتنازع اقتسام ثروات الطاقة في شرق المتوسط، في ضوء توالي اكتشافات الغاز في المناطق الاقتصادية الخالصة لبلدان المنطقة، خاصة في المناطق التابعة لمصر وقبرص وإسرائيل، من دون اكتشافات مماثلة قريبة من تركيا، وكذلك بالتزامن مع أزمة الاقتصاد التركي، التي يمكن أن تساهم سيطرة تركيا على ثروات الغاز في التخفيف من حدتها.

أولًا- اكتشافات الغاز في شرق المتوسط:

لم تكن منطقة شرق البحر المتوسط قبل عام 2009 محط اهتمام واسع في مجال الاكتشافات البحرية للطاقة، ولم تعول حكومات البلدان أو شركات الطاقة العالمية عليها كمنطقة غنية بمصادر الطاقة المحتملة. وعلى مدى عقود لم يشهد شرق المتوسط سوى عدد محدود من المحاولات الاستكشافية، والتي أثمرت عن اكتشافات متواضعة رسخت من صورتها كمنطقة ذات احتياطيات محدودة من الطاقة، وغير جديرة بالاستثمار المكثف فيها.

ولكن في شهر يناير من العام 2009 تم اكتشاف حقل «تمار» (Tamar) للغاز الطبيعي؛ وذلك في نطاق الحدود البحرية الإسرائيلية في البحر المتوسط، وعلى بعد 90 كيلومترًا من الساحل، وقُدرت الاحتياطيات في هذا الحقل آنذاك بـ 274 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. وفي أعقاب ذلك في مارس 2010، قدر المسح الجيولوجي الأمريكي (US Geological Survey) الاحتياطيات الممكنة في إجمالي منطقة حوض الشام من البحر المتوسط (Levant Basin)، والتي تطل عليها مصر ولبنان وسوريا وقطاع غزة وتركيا وكيان الاحتلال الصهيوني، بـ 3450 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، و1.7 مليار برميل من النفط.

وبعد ذلك بأشهر قليلة، وفي شهر يونيو من العام 2010، تم اكتشاف حقل آخر للغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، وهو حقل «ليفايثان» (Leviathan)، داخل الحدود البحرية التي يحتلها الكيان الصهيوني أيضًا، وعلى بعد 135 كيلومتر من الساحل، وتصل احتياطيات هذا الحقل إلى ما بين 460 و566 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وبذلك يعد حقل «ليفايثان» هو أكبر اكتشافات الغاز على الإطلاق في البحر المتوسط في ذلك الوقت.

أعقب ذلك اكتشاف حقل «أفروديت» (Aphrodite) للغاز الطبيعي في شهر ديسمبر 2011؛ وذلك في نطاق المنطقة الاقتصادية الخالصة لجزيرة قبرص، وعلى بعد 180 كيلومتر من سواحلها الجنوبية، ويقع حقل «أفروديت» على بعد 65 كيلومترًا فقط غرب حقل «ليفايثان»، ويضم وفقًا للتقديرات ما بين 84 و254 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. ثم في شهر أغسطس 2012، أجرت شركة (Spectrum) النرويجية مسحًا لـ 3000 كيلومتر مربع من المياه الإقليمية اللبنانية في البحر المتوسط، وقدرت احتياطيات هذه المساحة من الغاز بـ 707.9 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.

وفي عام 2015، تم اكتشاف حقل «ظهر» (Zohr) داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة المصرية في البحر المتوسط على بُعد 180 إلى 190 كيلومترًا من السواحل الشمالية المصرية، وهو ملاصق تقريبًا للمنطقة الاقتصادية القبرصية، ويبعد عن حقل «أفروديت» 40 كيلومترًا فقط، وهي منطقة قد خضعت لمحاولات استكشافية على مدى 12 عامًا من 1999 وحتى 2011، لكن بدون نتائج إيجابية.

وتقدر احتياطيات حقل «ظهر» بـ 850 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وهو ما يجعله أكبر اكتشافات الغاز في البحر المتوسط إلى الآن، وأحد أكبر اكتشافات الغاز في العالم في السنوات الأخيرة. ثم في عام 2018، تم اكتشاف حقل «كاليبسو» (Calypso) في المنطقة الاقتصادية القبرصية، باحتياطيات تُقدر بما بين 170 إلى 226 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. وفي عام 2019، وفي المنطقة الاقتصادية القبرصية أيضًا، تم اكتشاف حقل «جلاوكس 1» (Glaucus-1)، باحتياطيات تُقدر بـ 142 إلى 227 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.

ثانيًا – الطاقة وأزمة الاقتصاد التركي:

تُعد تركيا من البلدان الفقيرة في مصادر الطاقة عالميًا، وتعتمد إلى حد كبير على الواردات لتغطية احتياجاتها من الطاقة. وتتخطى نسبة الواردات إلى إجمالي الطاقة المستخدمة في تركيا، 75% تقريبًا وفقًا للبنك الدولي، وهي نسبة تزايدت بصورة مستمرة خلال العقود الأخيرة، بالتزامن مع النمو السكاني والاقتصادي في تركيا، وما ترتب عليه من ارتفاع الطلب الداخلي على الطاقة.

وقد بلغ إجمالي استهلاك الطاقة، بكل مصادرها في تركيا، ما يعادل 153.5 مليون طنًا من النفط في عام 2018، مثل استهلاك النفط 31.6% منه، بينما وصل استهلاك الغاز الطبيعي إلى 26.5% من إجمالي استهلاك الطاقة، والفحم إلى 27.6%، في حين مثلت مصادر الطاقة المتجددة، والكهرباء المولدة من المياه، بقية مصادر الطاقة المُستهلكة في تركيا. وتعتمد تركيا على الاستيراد لتغطية كامل استهلاكها من النفط والغاز تقريبًا، نظرًا لمحدودية احتياطياتها المحلية منهما، بينما تستورد 60% تقريبًا من كامل استهلاكها من الفحم، وتنتج الجزء المتبقي محليًا؛ نظرًا لوجود احتياطيات من الفحم لديها.

ويشكل اعتماد تركيا على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من الطاقة، عبئًا على اقتصادها ومواردها من النقد الأجنبي، كما يجعل الاقتصاد المحلي أكثر عرضة لتقلبات أسعار الطاقة العالمية، التي تؤثر بصورة حادة وفورية على معدلات التضخم داخل تركيا، وبالتالي على أسعار الفائدة، والنمو الاقتصادي ككل. ففي عام 2018، بلغ إجمالي كُلفة استيراد مصادر الطاقة في تركيا 43 مليار دولار تقريبًا، أي 19.2% من إجمالي واردات تركيا في العام ذاته. وتسهم هذه التكلفة الباهظة لاستيراد الطاقة في تركيا، في العجز المزمن لميزان الحساب الجاري التركي في معاملاتها مع العالم، والذي لم يحقق فائضًا خلال الثلاثين عامًا الماضية، سوى في ثلاثة أعوام فقط، أحدثها كان عام 2001.

ففي عام 2018، بلغ عجز ميزان الحساب الجاري التركي 27.3 مليار دولار أمريكي، وفي العام السابق له، كان العجز قد بلغ 47.3 مليار دولار، وهو ما كان من أعلى مستويات عجز ميزان الحساب الجاري عالميًّا في ذلك العام. ووفقًا لهذه البيانات، فإن بمقدور الاقتصاد التركي في واقع الأمر أن يحقق فائضًا في ميزان حسابه الجاري، إذا تمكن بصورة ما من تقليص وارداته من مصادر الطاقة، وهو ما قد تسهم فيه سيطرة تركيا على جزء من احتياطيات الغاز الطبيعي المُكتشفة في شرق المتوسط.

ونتيجة للعجز المزمن في الحساب الجاري التركي، والذي يلعب الاعتماد على استيراد الطاقة دورًا مؤثرًا فيه، بالإضافة إلى نمو اقتراض القطاع الخاص بالعملات الأجنبية، فإن تركيا تمول هذا العجز من خلال الاقتراض الخارجي، وهو ما أوصل إجمالي ديونها الخارجية في عام 2018 إلى 445 مليار دولار أمريكي، وهي من أعلى مستويات الديون الخارجية عالميًا. ونظرًا لكون 26% من هذه الديون هي قصيرة الأجل؛ أي مستحقة خلال عام واحد أو أقل، فإن تركيا كانت في عام 2018 ملزمة بتوفير 115 مليار دولار أمريكي لسداد الديون المستحقة، تُضاف إلى العجز الجديد في الحساب الجاري، أي بإجمالي التزامات تفوق الـ 140 مليار دولار، مُستحقة في عام واحد.

وكانت تركيا خلال الأعوام التالية للأزمة المالية العالمية، قد اعتمدت في تمويل التزاماتها الخارجية المتزايدة- كحال العديد من البلدان النامية – على تدفقات رؤوس المال الأجنبية منخفضة الفائدة إليها، والتي خرجت من الاقتصادات المتقدمة بعد الأزمة وتخفيض الأسعار الفائدة بها إلى الصفر تقريبًا. لذا، فمع ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة بدءًا من عام 2015، وتسارُع ذلك خلال العامين التاليين، بدأ هذا التدفق في النضوب مع عودة رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة، وهو ما هدد عددًا من البلدان النامية، وفي مقدمتها تركيا بالعجز عن سداد التزاماتها الخارجية.

وقد أدى هذا التراجع في تدفقات النقد الأجنبي إلى تركيا إلى تراجع قيمة العملة التركية في مقابل العملات الأجنبية، وهو ما فاقمه توتر العلاقات التركية الأمريكية في عام 2018، وفرض الولايات المتحدة لعقوبات على مسئولين ومؤسسات تركية، وزيادة التعريفات الجمركية على الصادرات التركية من الألومنيوم والصلب؛ وذلك على خلفية احتجاز تركيا لقس أمريكي، واتهامات الولايات المتحدة لمسئولين ومؤسسات تركية بمساعدة إيران في تصدير وغسل أموال النفط، بالمخالفة للعقوبات الأمريكية. ونتيجة لهذه العوامل، فقد تراجع سعر الليرة التركية في مقابل الدولار الأمريكي في عام 2018 بـ 28% تقريبًا، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدل التضخم السنوي من 11% في عام 2017، إلى 16.3% في عام 2018، وبالتالي رفع البنك المركزي التركي سعر الفائدة لاحتواء التضخم في العام نفسه من 8% إلى 24%، قبل أن يتم تخفيضه تدريجيًا، وصولًا إلى 12% في شهر ديسمبر ٢٠١٨، بعد تدخل أردوغان، وإقالته محافظ البنك المركزي.

ونتيجة لارتفاع التضخم وسعر الفائدة، ونقص تدفقات النقد الأجنبي، فقد تراجع نمو الاقتصاد التركي من 7.7% في عام 2017 إلى 2.8% في عام 2018، كما تشير التقديرات كذلك إلى تراجع نموه بصورة إضافية إلى 0.2% فقط في عام 2019، وبالتالي فمن المُتوقع أن يؤدي هذا التباطؤ إلى ارتفاع معدلات البطالة من 10.9% في عام 2017، إلى 13.8% في عام 2019.

ثالثًا- التدخل التركي والترتيبات في شرق المتوسط:

في ضوء الأزمة الاقتصادية التي تشهدها تركيا خلال العامين الأخيرين، وجذورها المزمنة، من السهل استيعاب الدوافع التركية وراء محاولاتها انتزاع جزء من اكتشافات الغاز في منطقة شرق المتوسط. فعلى المدى القريب، قد تؤدي سيطرتها على احتياطيات الغاز في المنطقة إلى جذبها استثمارات أجنبية، تعوض جزءًا من تراجع تدفقات النقد الأجنبي وتدعم العملة المحلية، وتخفف من الأزمة الاقتصادية في المجمل.

أما على المدى البعيد، فإن تركيا تسعى لتقليص اعتمادها المتزايد على واردات الطاقة، من خلال توفير مصادر محلية، تحميها من تقلبات أسواق الإنتاج العالمي والاضطرابات السياسية، كما حدث مع العقوبات الأمريكية الأخيرة على إيران، أو التوترات التركية الروسية، وهما من البلدان المصدرة للطاقة إلى تركيا، وكذلك قد يمكِّن إنتاج الطاقة محليًا وتقليص وارداتها، من خفض عجز ميزان الحساب الجاري التركي، أو حتى التحول إلى فائض، كما أشارت بيانات عام 2018، وهو ما سيخفض من الحاجة إلى الاقتراض الخارجي، ويمثل خطوة نحو تقليص الدين التركي الخارجي، وإصلاح الاختلالات الهيكلية، التي تجعل من الاقتصاد التركي هشًا، ومعرضًا لأزمة مالية تبعًا لتغيرات الاقتصاد العالمي.

وتعتمد تركيا في محاولاتها السيطرة على بعض اكتشافات الغاز الجديدة، على التوترات القائمة بينها وبين قبرص منذ عقود. فمنذ غزو تركيا لشمال قبرص في السبعينيات من القرن الماضي، وهي تسيطر عليه، وتحتفظ بقاعدة عسكرية هناك، ولا تعترف بجمهورية قبرص، بل تعترف بدلًا من ذلك، بجمهورية شمال قبرص التركية، وهي الجمهورية التي لا تعترف بها سوى تركيا وحدها. وتستغل تركيا هذا النزاع في رفض أي اتفاقات لترسيم المناطق الاقتصادية في شرق المتوسط، تدخل فيها قبرص مع بلدان الأخرى، بزعم عدم أحقية حكومتها في اتخاذ قرارات تخص الجزيرة بأسرها، بما فيها الجزء الشمالي، وتأكيدها ضرورة أن تتقاسم الجزيرة، بشمالها وجنوبها، ثرواتها الطبيعية بشكل عادل.

وجدير بالذكر أن تركيا لم توقع إلى الآن على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي تنظم الحقوق الاقتصادية في المناطق الاقتصادية الخالصة للبلدان، وهي الحدود البحرية التي تمتد إلى ما بعد المياه الإقليمية، ولا تمتلك فيها البلدان سيادة، ولكن يحق لها فقط أن تستغل الموارد الطبيعية الموجودة فيها بمفردها. وبالتالي، فإن تركيا لم تحدد إلى الآن حدود منطقتها الاقتصادية الخالصة، سواء في بحر ايجة، أو البحر المتوسط، ولم توقع على اتفاقات لترسيم المناطق البحرية، سوى اتفاقية مع جمهورية شمال قبرص التركية المزعومة، لترسيم الحيد القاري، بالإضافة إلى الاتفاق الأخير مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، لترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة للبلدين.

ومن ناحيتها، فإن قبرص قد رسمت حدود منطقتها الاقتصادية الخالصة مع مصر في عام 2003، ثم مع لبنان في عام 2007، وكيان الاحتلال الصهيوني في عام 2010، ومنحت الشركات العالمية رخص للتنقيب في منطقتها، ثم لتطوير الحقول المُكتشفة فيها، والتي قد تتخطى إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي المُكتشفة فيها إلى الآن 500 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.

وقد سعت قبرص لتعزيز موقفها في نزاعها التركي، من خلال المشاركة مع مصر، والأردن، وفلسطين، وإيطاليا، واليونان، وكيان الاحتلال الصهيوني، في تأسيس منتدى شرق المتوسط للغاز في عام 2019، والذي يسعى لتعزيز التعاون والتنظيم فيما يخص اكتشافات الغاز في شرق المتوسط، وهو ما يخلق تكتلًا لبلدان شرق المتوسط في مواجهة تركيا، التي تعارض كافة اتفاقات قبرص مع بلدان المنتدى، وبالتالي كافة حدود المناطق الاقتصادية الخالصة، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، من خلال التلميح بأن جنوب المنطقة الاقتصادية القبرصية، والذي تم اكتشاف حقول غاز به، يعود في واقع الأمر إلى المنطقتين الاقتصاديتين المصرية والإسرائيلية، في محاولة لإثارة النزاع بين بلدان شرق المتوسط وقبرص بخصوص حدود المناطق الاقتصادية الخالصة، وهو ما لم تنجح فيه إلى الآن.

وما يُكسب التعاون بين بلدان المنتدى أهميته، ويعزز من تأثير التدخلات التركية في الوقت نفسه، هي ظروف الأسواق والاقتصادات الداخلية للبلدان الأعضاء فيه، وخاصة مصر وقبرص وإسرائيل.

فبالنسبة لقبرص وكيان الاحتلال الصهيوني، فإن استهلاكهما من الغاز الطبيعي محدود بالمقارنة بالاحتياطيات المكتشفة في منطقتيهما الخالصتين، فقبرص تعتمد كليًا على النفط كمصدر الطاقة الرئيسي في البلاد، وتستورد أكثر من 95% منه، ولا تستهلك الغاز الطبيعي على الإطلاق، وبالتالي لا تمتلك بنية تحتية لاستخدام الغاز الطبيعي محليًا، ومن المُرجح إذًا أن تلجأ إلى تصدير إنتاجها من الغاز الطبيعي حديث الاكتشاف، عوضًا عن الاستثمار في بنية تحتية مكلفة بغرض استهلاكه محليًا، أو إلى تصدير الجزء الأكبر منه على الأقل إذا قررت التحول لاستهلاك الغاز الطبيعي محليًا لتقليص فاتورة استيراد الطاقة. وبالنسبة لكيان الاحتلال الصهيوني، وقبل اكتشافات عام 2009، كان الاستهلاك المحلي من الغاز الطبيعي يمثل 16% من إجمالي استهلاك الطاقة؛ وذلك عند 3.7 مليار متر مكعب سنويًا فقط تقريبًا، ومن المتوقع أن يرتفع الاستهلاك المحلي إلى 12.5 مليار متر مكعب سنويًا بحلول عام 2020، و18 مليار متر مكعب بحلول عام 2030.

وبالتالي، فإن الخيار الأفضل للبلدين لاستغلال احتياطيات الغاز المكتشفة لديهما، هو تصديرها. ومع بداية هذه الاكتشافات، كان السوق الأمثل هو السوق المصري، الذي يعد الغاز الطبيعي مصدر الطاقة الرئيسي فيه، ويشكل 50% من إجمالي استهلاك الطاقة في البلاد، ولكن مع اكتشاف حقل ظُهر في المنطقة الاقتصادية المصرية، وتلبيته لاحتياجات السوق المصري المحلي، أصبح خيار التصدير إلى أوروبا هو المُتاح أمام قبرص وإسرائيل، خاصة مع سعي أوروبا لتقليص اعتمادها على إمدادات الطاقة الروسية.

ويعد منح خيار التصدير هذا، فرصة إضافية لتركيا للتدخل في إدارة غاز شرق المتوسط؛ حيث إن تصدير الغاز القبرصي والغاز الذي يستولى عليه كيان الاحتلال الصهيوني” إلى أوروبا يتطلب إنشاء مصنع مشترك لتسييله، ولكن التكلفة المرتفعة لهذا المقترح تجعله غير اقتصادي، لذا فإن إحدى الخيارات البديلة هي مد أنبوب تحت سطح الماء، يربط حقولهما في شرق المتوسط، ويصل إلى اليونان، ومنها إلى إيطاليا والسوق الأوروبي، في مسافة قد تمتد إلى ألفي كيلومتر مربع. ولكن هذا المُقترح مرتفع التكلفة بدوره، وقد يتطلب استثمارات تصل إلى 7 مليارات من الدولارات، وهو ما قد لا يبرره حجم الاحتياطيات المكتشفة لدى البلدين حاليًا، وبالتالي فقد يكون خيارًا غير اقتصادي هو الآخر، باستثناء في حالة اكتشاف المزيد من الاحتياطيات.

وعلاوة على ذلك، فإن الاتفاق التركي الليبي الأخير، يهدف بالأساس إلى قطع الطريق أمام خط الأنابيب المُقترح هذا، الذي سيمر وفقًا للحدود الواردة في الاتفاق الجديد، داخل المنطقة التركية الخالصة، بما يمنح تركيا نفوذًا للتدخل في استغلال احتياطيات شرق المتوسط.

وتحاول تركيا في الوقت نفسه الترويج لحل بديل، وهو خط أنابيب يمتد من الحقل الإسرائيلي الضخم إليها مباشرة، وهو مسار أقصر وأقل تكلفة من الخط المباشر عبر اليونان، وذلك سواء لتلبية احتياجات سوقها الداخلي، أو لتصدير الغاز إلى أوروبا، باستغلال خطوط الأنابيب التي تمر بالفعل من تركيا إليها. ولكن من ناحية أخرى، فإن خط الأنابيب هذا سيمر من المنطقة الاقتصادية القبرصية، وهو ما يعرقل المُقترح نظريًا بسبب الرفض القبرصي المُتوقع، ولكن على أرض الواقع فمن الممكن تنفيذه وتجاهل قبرص التي ستعجز عن مواجهة البلدين ومنعهما من مد خط الغاز.

أما ما يعرقل هذا الخيار فعليًا، فهو توتر العلاقات التركية  مع كيان الاحتلال الصهيوني، في العامين الأخيرين من ناحية، والتركية الأوروبية من ناحية أخرى، وهو ما يجعل أوروبا تدعم صراحة خط الأنابيب المباشر الأكثر كلفة، عن مرور إمدادات الغاز إليها عبر تركيا، وهو ما يضع هذا الخيار في ترتيب متأخر ضمن مقترحات تصدير الغاز إلى أوروبا.

أما الخيار الثالث، والأكثر واقعية، خاصة في ضوء الاتفاقية التركية الليبية الأخيرة التي تعرقل خط الغاز المباشر إلى أوروبا، فهو أن تنقل قبرص وإسرائيل الغاز الطبيعي من حقولهما، عبر خطوط أنابيب قصيرة ومنخفضة التكلفة نسبيًا، إلى مصنعي تسييل الغاز الطبيعي القائمين في دمياط وإدكو في مصر، ليتم تسييل الغاز الطبيعي من البلدين وتصديره إلى أوروبا عبر الناقلات البحرية، وهو الخيار الذي بدأ التجهيز له بالفعل.

ونظرًا لكون هذا الخيار الواقعي والاقتصادي يهمش تمامًا أي دور أو فرصة لتدخل تركي في غاز شرق المتوسط، فإنه قد يؤجج من الممارسات العدوانية التركية، والتلميحات باللجوء للقوة العسكرية لانتزاع موطئ قدم في الاكتشافات الجديدة، بعد فشل الأوراق المحدودة لديها، في دفع بلدان شرق المتوسط إلى دمجها في ترتيبات استغلال الاكتشافات، وتصدير الغاز الطبيعي.

من مجمل ما سبق يمكن القول إنه على الرغم من رجوع النزاعات التركية مع اليونان وقبرص، على الحدود البحرية، إلى عقود سابقة، وقد كانت السبب في عدم توقيع تركيا على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، في المقام الأول، إلا إن هذه النزاعات قد اكتسبت بُعدًا جديدًا بعد اكتشافات الطاقة في منطقة شرق المتوسط، في الأعوام الأخيرة. لذا، فبالإضافة إلى التطلعات التركية نحو الاستفادة من ثروات الطاقة المُكتشفة في الحدود البحرية المُتنازع عليها، فإنها ترى أن بدء استغلال قبرص لهذه الثروات، يشكل تهديدًا على أرض الواقع لموقفها في بقية النزاعات الحدودية البحرية، والتي تشمل نزاعات سيادة على بعض الجزر في بحر ايجة.

وخلال الأعوام الأخيرة، في أعقاب اكتشافات الغاز، استخدمت تركيا مزيجًا من الممارسات العسكرية العدوانية، كالتي تم الإشارة إليها في المقدمة، بالتوازي مع مخططات للتعاون في استغلال وتصدير غاز شرق المتوسط، وفي مقدمتها خط الأنابيب المقترح من الحقول التي يسيطر عليها كيان الاحتلال الصهيوني إليها؛ وذلك في محاولة منها لأن تكون لاعبًا فاعلًا في ترتيبات استغلال الطاقة المُكتشفة حديثًا، وجهود ترسيم مناطق النفوذ البحري في المنطقة. ولكن مع بدء تبلور خيار نقل الغاز في شرق المتوسط إلى مصر لتسييله وتصديره، وهو ما يغلق الباب أمام التعاون مع تركيا في هذا السياق، فإنه من المُتوقع أن يتزايد الاعتماد التركي على الممارسات العدوانية، كأداتها الوحيدة لحماية مصالحها في شرق المتوسط، سواء فيما يخص الاستفادة من الثروات الاقتصادية في المنطقة، أو في تعزيز موقفها في نزاعاتها الحدودية القائمة.

إعداد – حسين سليمان

باحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

مصطلح “كيان الاحتلال الصهيوني” يعود لسياسة “أويا” وليس للمركز الأهرام

نشرت في دورية الملف المصري التي تصدر عن مركز الأهرام

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق