fbpx
مقالات

تونس بين الإغراء التركي وشباك الشعبوية الاستبدادية

بقلم: محمد صالح عمري

كيف شكلت تركيا اغراء قويّا للتونسيين على المستويين الشعبي والرسمي وتحولت الأردوغانية مثالا وقدوة لتونس

في حين أن تركيا لا تمثّل نموذجا واحدا بل نموذجين، كما سيأتي تفصيله؟ لقد نزلت تركيا بكلّ ثقلها في الشأن التونسي، من أعلى هرم السلطة إلى المجتمع المدني المحلّي، مرورا بالاستثمار الاقتصادي والسيطرة على السوق التونسية، إلى جانب الخطاب الإيديولوجي تحت مسمّى الإسلام المعتدل أو الديمقراطي. وانجذب العديد زمن الهزائم إلى الرغبة في التشبّه بمثال متفوّق يقف في وجه السيطرة الغربية الطاغية. وإغراء هذا النموذج يجد له معادلا فنّيا في المجال الثقافي المسوّق لنمط حياة أو يوتوبيا تبثّه المسلسلات التركية على الشاشات التونسية، ويتبوأ المراتب الأولى في نسب المشاهدة، بدءا ب (حريم السلطانن) ووصولا إلى التذويب المخاتل للدراما التركية في الواقع التونسي من خلال الدبلجة باللهجة التونسية في (قطوسة الرماد) و(حبك درباني). وهل يوجد إغراء أقوى من دراما أبطالها رجال وسيمون ونساء جميلات وثريات ولهم القاسم الديني المشترك، من أمثال نور ومهند وميرنا وخليل وأسمر وأمير؟


والواقع أن التناول التونسي لتركيا أحادي الجانب، ولا يعكس التنوّع في الرؤى الذي يشقّ تركيا ذاتها. بل قُل إن السياسة التونسية الموالية والبروباغندا التركية حجبت عن التونسيين الجوانب السلبيّة للمسارالحالي لهذا البلد،. وأنا لا أعني فقط الدور التركي في الشأن السوري مثلا والقمع التركي للأكراد والأقليات الأخرى وعلاقة تركيا بأزمات الخليج وبالإرهاب والإستغلال الفاحش وتفقير الأرياف المحاكمات المجحفة وآلاف المسجونين والمبعدين. وإنما اقصد أساسا الغياب شبه التام لأيّ تناول جدّي لكيفية تحوّل تركيا إلى نظام استبدادي وإطاره العالمي المتمثل في صعود الشعبوية دوليا في الولايات المتحدة و البرازيل وبريطانيا وموجة اليمين الشعبوي عبر الاتحاد الاوروبي…
والحال أنّ هذين الإطارين المترابطين، أي الإستبداد التركي والشعبوية العالمية، شكّلا هاجسا مهمّا لدى مثقفين أتراك بارزين، من ضمنهم الصحفية والكاتبة التركية الشهيرة إشي تملكوران التي خصصت له كتابا بعنوان كيف تخسر بلادا: الخطوات السبعة من الديمقراطية الى الدكتاتورية. ما يهمنا هنا في هذا الكتاب هو الخطوات التي انتهجها أردوغان في مساره التدرّجي نحو الإستبداد وعلاقة ذلك بتونس. فقد حدّدت الكاتبة «سبع خطوات يتّخذها الزعيم الشعبوي لتحويل نفسه من شخصية سخيفة إلى مستبد مرعب، في حين يُفسد حدّ النخاغ المجتمع بأكمله». وتكاد تونس تكون حالة مخبرية للخطوات السبعة كالآتي:.

1 – خلق حركة، ليس حزبا، متكوَنة من الذين تخلّى عنهم السيستام . وفي تونس أمثلة عديدة مثل حراك شعب المواطنين وحركة الشعب يريد وإئتلاف الكرامة، إلى جانب حركة النهضة كمؤسس لهذا التوجه.

2 – تعطيل العقل أي قتل العقل النقدي وتقزيم المعارضين حتى هزمهم. ويقابله في تونس تعبئة الأنصار حول مقولات وحملات عامة ومضللة مثل جماعة الصفر فاصل، اليسار الإستئصالي، أيتام فرنسا، وينو البترول..

3 – إزاحة الإهانة بمعنى تحسيس الأنصار بأنّ ما يقولونه مهمّ وحقيقة فلا خجل من التعبير عنه بشراسة. ولنا في بعض مقولات إئتلاف الكرامة في مجالات التعليم والحرية والدفاع عن والتكفير باعتباره من مبادئ الدين ومقولات الشعب يريد.

4 – تفكيك المكانيزمات القضائية والسياسية والمؤسسات، وتطويعها حتى تصبح لعبة في أيدي القادة الجدد. وهو جوهر التمكين والتدجين التي مارسها الإسلام السياسي الحاكم في تونس.

5 – صناعة المواطن الخاص بالحركةأي لابد من كتابة سردية أخرى تحسّس حامل هذا الفكر أنه هوالبطل. ومثاله غرس مفاهيم تقسيمية سكتارية من قبيل نحن التونسيون الحقيقيون، نحن الخط الثوري، نحن امتداد الحركة الإصلاحية الحقيقية…

6 – اجعل خصومك يضحكون على الفضاعة. وتلخيصه في الإطار التونسي في تحوّل السخرية والتنبير من ممثلي هذه الحركات ومواقفهم إلى ردّة الفعل الوحيدة والمنتظرة يقابلها هؤلاء ب»دعهم ينبّرون، دعنا نمر».

7 – بناء بلد الخاص بالقائد والحركة أي استعادة البلد من «النخب» وإعادته إلى قوّته. ومثاله في تونس شعار نكبتنا في نخبتنا وافتكاك البلاد من اتحاد «الخراب» وشيطنة المثقفين وغيره.
والملاحظ أنّ أحد الفوارق الأساسية بين تونس وتركيا تكمن في كون الخطوات السبعة اجتمعت في شخص أردوغان وحركته وأنصاره بتركيا. أما في تونس فهي موزّعة على عدّة فاعلين تفرّخوا عن الإسلام السياسي والشعبوية اليمينية ووجدوا في حالة تشضي المجتمع نصيبهم الكبير من المناصرين، ولعل أحد المؤشرات على ذلك تركيبة الحكم الحالية ببرلمان شعبوي بالأساس ورئاسة شعبوية وحكومة تائهة بين الإثنين. كما أنّ المجتمع المدني التونسي الحي وتواجد النفس المدني في مؤسسات الدولة والمجتمع، حالت دون توحّد مكوّنات الشعبوية الإستبدادية وبسط هيمنتها المطلقة. ولكنّ شباك الإستبداد إلى جانب الإغراء الأردوغاني المدعوم بترسانة مالية وإعلامية وإيديولوجية كبيرة تجعل التصدي لهذا المسار في تونس بالذات ضرورة ملحّة وأن تكون الخطوات السبعة المذكورة محلّ يقضة دائمة للتعرّف عليها ومجابهتها أينما ظهرت. وتبقى المهمة الأساسية هي عدم التخلّي عمّن أهملهم السيستام والحيلولة دون تحوّلهم إلى وقود الشعبوية الإستبدادية المعادية لمصالحهم وانتظاراتهم.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق