fbpx
تقارير

تقرير دولي يكشف أبعاد التدخل التركي في ليبيا

خاص – أويا

ما زالت الأحداث في ليبيا تستحوذ على اهتمام مختلف الدوائر السياسية في العالم، سواء كانت تلك المتعلقة باتخاذ القرار السياسي بشكل مباشر، أو الدوائر المقربة من صناع القرار من مراكز مبحثية ومنتديات سياسية واستراتيجية، من بين هذه الدوائر الهامة مجموعة الأزمات الدولية التي تعد من المصادر العالمية الأول للتحليلات والمشورة التي تقدمها للحكومات، والمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي.

تأسست مجموعة الأزمات في عام 1995 كمنظمة دولية غير حكومية بمبادرة من مجموعة من الشخصيات المعروفة على ضفتي الأطلسي ممن شعروا باليأس من فشل المجتمع الدولي في توقع المآسي التي حدثت في مطلع التسعينيات في كل من الصومال، ورواندا، والبوسنة، والاستجابة لها على نحو فعال، وكان الهدف هو تأسيس منظمة مستقلة تماما من نفوذ اي حكومة.

يقع مقر مجموعة الأزمات الدولية في بروكسل، ولها مكاتب في كل من واشنطن العاصمة ، ونيويورك، ومكتب أصغر حجماً في لندن، بالإضافة إلى عمليات التنسيق في كل من موسكو وبكين. لدى المنظمة حالياً مكاتب إقليمية أو مكاتب محلية في أكثر من 60 دولة حول العالم بينها دول عربية وإفريقية .

نشرت المجموعة تقريرا نهاية أبريل الماضي حول التدخل التركي في ليبيا، ويناقش التقرير أبعاد هذا التدخل، خاصة مع الانخراط التركي العسكري الموسع في الحرب الليبية ومآلات السياسات التركية تجاه الأزمة في ليبيا، وما يمكن أن يسفر عنه من تداعيات .

يشير التقرير إلي إن دعم حكومة طرابلس من وجهة النظرالتركية ضروري لمواجهة قوس من القوى العدائية المصممة على احتواء النفوذ الاستراتيجي والاقتصادي لتركيا في البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط. وبالمثل، يرى مؤيدو حفتر الأجانب أن ليبيا ساحة معركة جيوسياسية رئيسية ولم يبدوا أي تردد في التصعيد. في حين ترى أنقرة أن تدخلها مثمر طالما أنه يمنع الاستيلاء على طرابلس، فقد ترتفع التكاليف إذا أصبح النزاع نتيجة لذلك أطول وأكثر فتكًا، لذلك، يجب أن يكون من مصلحة داعمي تركيا وحفتر الخارجيين استكشاف مجالات التوافق المتبادل والعمل من أجل وقف إطلاق النار، وإيجاد طرق لجلب حلفائهم الليبيين حول الطاولة لمتابعة حل وسط يلبي أيضًا بعض احتياجاتهم الأساسية.

من وجهة نظر تركيا، تتقاطع ليبيا مع محورين عدائيين يجب على أنقرة مواجهتهما، المحور الأول: من الإمارات العربية المتحدة ومصر (وبدرجة أقل المملكة العربية السعودية) لاحتواء النفوذ التركي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أما المحور الثاني فهو ما ترى تركيا أنه محاولة من اليونان وقبرص (وبالتالي، الاتحاد الأوروبي)، وكذلك إسرائيل، لحصرها في زاوية صغيرة من البحر الأبيض المتوسط وبالتالي استبعادها من مشاريع الطاقة الهيدروكربونية التي يمكن أن تكون أيضًا ذات أهمية جيوسياسية.

ويشير التقرير إلي أن التدخل التركي إلى إبطاء تقدم الجيش مما سمح لقوات حكومة طرابلس باستعادة بعض الأراضي التي فقدتها عندما اندلعت الحرب في أبريل 2019. لكنها لم توقف الحرب. أدان  من أسماهم التقرير بـ “ائتلاف حفتر” تصرفات أنقرة وأعاد صياغة جهوده كحرب ضد ما يصفه بـ “الاحتلال التركي، وكثفت الجيش هجمات المدفعية على ميناء ومطار طرابلس، على خلفية أن الضباط الأتراك كانوا يستخدمون هذه المواقع، وقُتل ما لا يقل عن ضابطين في الجيش التركي وعشرات من المرتزقة السوريين الموالين لتركيا مع الأخذ في الاعتبار عدم توافر المعلومات الدقيقة.

 في هذه الأثناء، فقدت القوات الموالية للحكومة مدينة سرت، وهي موقع لقاعدة عسكرية في وسط ليبيا أصبحت ساحة انطلاق مهمة للجيش،  وأخيرًا، وبشكل حاسم، أغلقت الجماعات القبلية المتحالفة مع حفتر إنتاج البلاد من النفط وجميع صادرات الهيدروكربونات في يناير، قائلة إنها لا تريد أن ترى عائدات النفط الليبية تستخدم لدفع تكاليف القوات المدعومة من تركيا وتركيا، وقد أدى هذا الإغلاق إلى قطع الأموال التي كانت تحافظ على حكومة طرابلس طافية.

وبحسب التقرير فإن تركيا تورطت في نزاع متصاعد مع مزيج معقد من اللاعبين وأصحاب المصلحة، بينما يحاول حلفاء أنقرة في طرابلس شن هجمات مضادة ضد معاقل الجيش في أجزاء أخرى من البلاد، فإن تركيا تخاطر بالانجرار في حرب تتجاوز بكثير ما وقعت عليه في الأصل. إن المزيد من التصعيد يمثل مخاطرة واضحة ويمكن أن يأتي بنتائج عكسية لتركيا ويأتي على حساب الليبيين بشكل عام. ومن غير المحتمل أن تقدم تركيا ولا أي من داعمي حفتر الإقليميين تنازلات من جانب واحد. الخيار بين المزيد من التصعيد والمواجهة أو البحث عن التوافق المتبادل الذي يمهد الطريق للسلام بين حلفائهم الليبيين مع تلبية أكبر قدر ممكن من مصالحهم الخاصة فيجب عليهم اختيار الأخير.

ويؤكد التقرير أن قرار أنقرة بحماية حكومة طرابلس من الهزيمة العسكرية جزء لا يتجزأ من طموحات تركيا الجيوستراتيجية، التي تتقدم بها بشكل متزايد بما في ذلك من خلال إبراز القوة العسكرية. هذا الموقف له جذوره في مفهوم جديد نسبيًا للدفاع الوطني، حيث لم يعد “الوطن” التركي يشير فقط إلى الأرض ولكن أيضًا البحر، أو “الوطن الأزرق” ، وهو تعبير يستخدم لأول مرة من قبل أميرال البحرية، رمضان جوردينيز، في عام 2006. تم تعميمه في مارس 2019 ، إن التحالف الحاكم في تركيا لحزب العدالة والتنمية (حزب العدالة والتنمية) وحزب العمل القومي (MHP) متحالفان حول هذه السياسة الخارجية الإقليمية الأكثر حزمًا، والتي تعزز أيضًا القومية التركية وتساعد قيادة أنقرة على الحفاظ على الجبهة الداخلية.

وتماشيًا مع مفهوم “الوطن الأزرق”، وقع أردوغان مذكرة تفاهم “حول تعيين مناطق الاختصاص البحري في البحر الأبيض المتوسط” مع السراج في 27 نوفمبر 2019. صادق البرلمان التركي عليه في الأسبوع التالي. لطالما سعت تركيا إلى هذا الاتفاق كأداة حاسمة للبدء في إعادة رسم الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط وتخفيف ما تراه مزايا غير متكافئة تعود إلى اثنين من خصمي أنقرة التاريخيين – اليونان وجمهورية قبرص. يزعم المسؤولون الأتراك أنه لا توجد صلة بين التدخل التركي في ليبيا وهذا الاتفاق البحري، وأنه “مجرد مصادفة” أن وقع أردوغان وسراج عليه في نفس اليوم الذي وقعوا فيه على اتفاق التعاون الأمني. ومع ذلك، يتفق العديد من الخبراء الأتراك على أن تسلسل الأحداث يشير إلى أن الصفقة البحرية كانت بوابة لزيادة الدعم العسكري التركي.

,يشير التقرير إلي أن التدخل العسكري لأنقرة تمكن من إبطاء تقدم قوات الجيش في بعض المناطق حتى أجبرتها على التراجع، وتجنب سقوط حكومة السراج. طالما بقيت حكومة تركيا المتحالفة في طرابلس في السلطة، فإن أنقرة تعتبر أن مصالحها الجيوستراتيجية والاقتصادية المباشرة محمية أو على الأقل غير مصادرة.

لكن تدخل تركيا لم يضع نهاية للصراع، ولم يفتح الباب أمام المفاوضات بين الفصيلين السياسيين والعسكريين المتنافسين في ليبيا. بل على العكس تمامًا: اشتدت الحرب حول العاصمة الليبية، ولم تعد محادثات السلام في الأفق، وازدادت التوترات بين أنقرة وبعض العواصم – بما في ذلك أبو ظبي والقاهرة، وباريس. في غضون ذلك، تدهور الوضع المالي لحكومة طرابلس بشكل ملحوظ بعد أن قامت القبائل الموالية لحفتر بقطع إنتاج النفط وبالتالي تدفق الإيرادات الرئيسي الوحيد في طرابلس.

وبشكل عام، يشير استئناف الأعمال العدائية منذ منتصف فبراير، والتدفق المستمر للأسلحة إلى الجانبين والظروف الدبلوماسية الصعبة بشكل متزايد إلى أنه من غير المرجح أن تنجح المفاوضات. رسميًا، لا تزال الأمم المتحدة تتابع المحادثات ثلاثية المسارات، ولكن لم تجر أي مفاوضات في مارس ولم يُحدَّد أي منها في أبريل.

وبالنظر إلى المستقبل، سيتعين على تركيا اتخاذ بعض الخيارات الصعبة. أولًا، سيتعين عليها أن تقيس مقدار الدعم العسكري الذي تستطيع ليبيا تحمله ماليًا وسياسيًا. إذا استمر القتال أو تصاعد أكثر، فقد تضطر أنقرة إلى زيادة الإمدادات العسكرية والأفراد فقط للحفاظ على التوازن الذي ساعدت على إنشائه. قد يصبح تجنيد الجنود المشاة أكثر صعوبة على كلا الجانبين، بسبب تفشي COVID-19، إذا ارتفع عدد القتلى الأتراك في ليبيا، فإن الوفيات ستغذي بالتأكيد عدم شعبية التدخل داخل المجتمع التركي. مع تدهور الأوضاع الاقتصادية في تركيا، من المرجح أن تتساءل أحزاب المعارضة أيضًا عن التكاليف المالية للانتشار في ليبيا.

ويؤكد التقرير أن كلا الجانبين سيحتاج إلى تقديم تنازلات، إذ سيتعين على أنقرة قبول أن حكومة وحدة مستقبلية قد لا تكون مؤيدة صراحة لتركيا وأن الترتيبات الأمنية المؤقتة يجب أن تشمل القوات التي يقودها حفتر. من ناحية أخرى، سيتعين على مؤيدي حفتر قبول أن الساسة والمسؤولين العسكريين الذين كانوا على الجانب الآخر سيكونون جزءًا من الحكم الانتقالي والترتيبات الأمنية. يجب أن يوافق الجميع على التوقف عن استخدام المقاتلين الأجانب في ليبيا والامتناع عن الأعمال التي تغذي الحرب.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق