fbpx
تقارير

المرأة في ليبيا .. تراجع الدور وانتهاك الحقوق

خاص – أويا

تمثل أوضاع النساء في أية دولة مؤشرا هاما على مدى تقدم المجتمع وتطوره نحو تعزيز حقوق أفراده، وتعتبر مشاركة المرأة في الشئون العامة وتقلدها لمناصب قيادية في مجتمعها دليلا على الحالة العامة للحريات وحقوق الإنسان في أي بلد، وبنظرة سريعة على أوضاع المرأة الليبية خلال السنوات الماضية، سنلحظ تراجعا غير مسبوق في كافة ما يخص النساء، سواء على مستوى الحريات والحقوق الإنسانية، أو حتى على مستوى الحصول على متطلبات الحياة الأساسية، أو تعرضهن لانتهاكات تؤثر على سلامتهن .

غير أن الوقوف على حقيقة ما وصلت إليه أوضاع المرأة الليبية من تراجع يستلزم العودة إلي الحال التي كان عليها النساء في ظل وجود واستقرار وازدهار الدولة الليبية، في سنوات ما قبل أحداث فبراير 2011، فالثابت وفقا لوثائق الدولة الليبية الرسمية، أن ثورة الفاتح من سبتمبر عام 1969 أعطت النساء مكانة مميزة في المجتمع الليبي، وفتحت التشريعات الجديدة وقتها الباب للمرأة لاقتحام أبواب العلم والخدمة المدنية بما في ذلك انتسابها إلي المؤسسة الشرطية والعسكرية، ووفقا للإحصاءات المنسوبة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي فإن المرأة الليبية احتلت المرتبة الأولى على مستوى العالم العربي في الحصول على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية في ظل الدولة الليبية في الفترة ما بين 1969 وحتى فبراير عام 2011.

وعلى الرغم من مراعاة التكوين القبلي والنسيج الاجتماعي لمكونات المجتمع الليبي، إلا أن المرأة في تلك الفترة استطاعت اختراق العديد من المجالات التي كانت ما زالت في دول عديدة في المنطقة حكرا على الرجال وحدهم، واعتلت المرأة الليبية في تلك الفترة مواقع القيادة في أماكن هامة في مؤسسات الدولة .
ويمكن القول أن المرأة الليبية تعرضت لأكبر خديعة بعد ما جرى في ليبيا من أحداث منذ فبراير 2011، إذ رفع المتأمرون على الدولة الليبية شعارات رنانة عن حقوق المرأة وحرياتها وحقها في ممارسة كافة الأدوار السياسية والمجتمعية، وكان الهدف استمالة أكبر عدد من النساء أو على الأقل تحييدهم انتظارا لأنهار اللبن والعسل التي وعدوا بتحقيقها لثالح النساء، غير أن الحقائق تكشفت مبكرا جدا وبشكل أسرع مما كان ينتظر أحد، فبمجرد سيطرة التيارات المتطرفة على مناطق متعددة في البلاد كانت المرأة هي الضحية الأولى، وتراجع دورها الاجتماعي بشكل حاد وغير مسبوق، وتم رفع القيود مثلا على تعدد الزوجات، كما أصدرت المليشيات المسلحة والجماعات الإرهابية أوامرها في مناطق عدة من البلاد بعد خروج المراة دون محرم، كما تم إجبار العديد من النساء على ارتداء أزياء تم وصفها بالزي الإسلامي، وفي عام 2013 سرعان ما أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريرا أكدت فيه تقهقر دور المرأة الليبية، واختفائها من المشهد السياسي الليبي تماماً، وخسرت كثيراً من مواقعها المتقدمة السابقة في المشاركة في الشأن الوطني العام.
وتشير تقارير الأمم المتحدة إلي أن حوالي 18 ألف امرأة ليبية مسجلات كلاجئات وطالبات لجوء بحاجة إلى الحماية، مشيرًا إلى أن الأثر السلبي للنزاع السياسي والمسلح على النساء.

وكشف المبعوث الأممي السابق، غسان سلامة عن العديد من حوادث القتل والاستهداف التي طالت المرأة الليبية بعد عام 2011، مشيرا إلى أن ما لا يقل عن 31 امرأة قتلت فيما أصيبت 41 أخرى، خلال الأعمال العدائية في ليبيا، داعيا إلى “حماية جميع النساء والفتيات في ليبيا من العنف”، مشيرًا إلى أنه “يتعين للقضاء عليه بذل مزيد من الجهود للوصول إلى النساء في جميع أنحاء البلاد، بمن فيهن اللواتي ينتمين إلى أشد الفئات حرمانًا وتهميشًا، كالنازحين داخليًا والأقليات.

أما منظمة العفو الدولية فقالت في تقرير لها أن النساء في ليبيا يتعرضن للعنف وحملات التشويه والاتهامات التي تمس السمعة، وقالت المنظمة أن المليشيات المسلحة تمارس بشكل ممنهج أشكال متعددة من العنف ضد النساء في ظل تقاعس السلطات الليبية عن حمايتهن .

وقالت المنظمة في التقرير نفسه أن تفشى حالة الفوضى وانعدام القانون أدت إلي تعرض النساء للمزيد من الجرائم التي تصل في بعض الاحيان إلي القتل أو الاختطاف أو التعدي الجسدي، مشيرة إلي أن غياب القانون أدي في أغلب الحالات إلي إفلات المتهمين من العقاب .

وتعتبر الحالة الليبية جزءا من منظومة العنف المسلط ضد المرأة والذي كرسته حالة الفوضى التي عصفت بالبلاد منذ العام 2011. فالليبيات تعرضن للإساءة والعنف والتعذيب والسجن والاغتصاب والحجز والقتل والاغتيال كما يحدث في ظل الحروب دوما ورغم غياب الإحصائيات الرسمية لعدد النساء المعنّفات أو المتضررات إلا أن هذا الأمر ثابت وبشكل متكرر.
في نوفمبر 2017، دعت منظمة التضامن لحقوق الإنسان السلطات الليبية إلى تحمل مسؤولياتها عن حماية النساء من التعرض للعنف بإصدار التشريعات اللازمة لذلك. وقالت المنظمة في بيان لها، إن حوالي نصف النساء اللاتي تعرضن للعنف تأثرن بذلك، وأصيبت منهن نحو 74% بالاكتئاب، وبقيت حوالي 26% في حاجة إلى العلاج. وشددت المنظمة، بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة العنف ضد المرأة، على ضرورة العمل على حماية النساء المهاجرات وضمان تلقيهن للمساعدة الملائمة وحمايتهن من الإيذاء والاستغلال.

العنف والإيذاء المباشر ليس هو الشكل الوحيد للمارسة الاضطهاد ضد المرأة الليبية، ففي ظل الأوضاع المتردية التي تمر بها الدولة الليبية منذ أكثر من 9 سنوات تعاني النساء في ليبيا من غياب المقومات الاقتصادية التي تمثل عماد الحياة، وفيما تتصاعد نسبة البطالة في ليبيا فإن عدد النساء العاطلات عن العمل يمثل القسم الأكبر من العاطلين، كما تعاني المرأة الليبية من التراجع الحاد في مستوى الخدمات وتوافر السلع الاساسية والخدمات الصحية، وتمثل الأخيرة معاناة ذات شقين للنساء في ليبيا، إذ يعانين من عدم توافر الخدمات الصحية اللائقة المقدمة لهن، كما يعانين أيضا من ضعف الخدمات الصحية المقدمة لأطفالهن.

إن ما يربو عن التسع سنوات من الفوضى وغياب الدولة في ليبيا، ترك آثاره المدمرة على كل مناحي الحياة في البلاد، ولا تكاد فئة من فئات المجتمع الليبي تسلم من الحصاد المر لتلك السنوات، غير أن المرأة في ليبيا أصبحت من بين الفئات الأكثر تضررا وانتهاكا لحقوقها على كافة المستويات.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق