fbpx
تقارير

“ليبيا _ الأرض المباركة تغص بالمرتزقة من حدب و صوب _ متاهات و عوائق و دروب مفخخة تكشف تفاصيلها أويا”

وسط كل الملفات التي يحتشد بها المشهد السياسي الليبي، يبدو ملف المرتزقة والقوات الأجنبية واحدة من المعضلات الحقيقية التي لا يبدو في الأفق نهاية حاسمة لها.

فـ رغم اتفاق وقف إطلاق النار بين الأطراف المتصارعة في ليبيا 23 أكتوبر 2020، والذي نص على انسحاب المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا في غضون ثلاثة أشهر، وبحلول يناير 2021، فإن هذا لم يحدث ولم يتحرك “ملف المرتزقة” قرابة عام “قيد أنملة” كما يقولون. بل يراوح مكانه دون أي يظهر أي جدول حقيقي لانسحاب هؤلاء المرتزقة والقوات الأجنبية من البلاد. وهو ما دعا المبعوث الخاص للأمم المتحدة في ليبيا، يان كوبيش، لفضح الأمر برمته في مايو الماضي، بالقول إن القضية الرئيسة المتمثلة في سحب المرتزقة والقوات الأجنبية من البلاد توقفت.

والحاصل، أن هذا التوقف في انسحاب المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا، يعود في الأساس، وفق محللون، إلى ولاءات حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، برئاسة ادبيبة ومجلسها الرئاسي بقيادة محمد المنفي. فرغم خطورة قضية المرتزقة والقوات الأجنبية في البلاد، واعتبار حسمها رئيسي للعملية الانتخابية المقبل في ديسمبر، فإن التحركات فيها لم تكن جادة مع الدول الموردة للمرتزقة وبالخصوص تركيا التي أرسلت الالآف من المرتزقة الأتراك وجنودها وضباطها، وكذلك آلآف المرتزقة السوريين إلى ليبيا. وكأن أبلغ تصريح يؤكد أن هناك تلكؤ في معالجة موضوع المرتزقة، ما قالته نجوى وهيبة، المتحدثة باسم المجلس الرئاسي لحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، من أن معضلة المرتزقة لا يمكن لليبيا وحدها حلها، ولابد من تعاون دولي رغم أنها مشكلة أمنية وسياسية ليبية في المقام الأول، وتخضع للإرادة الوطنية. أما ادبيبة فلم يعلق ولم يتوقف أمام الملف كثيرا وكان هذا مقصودًا من جانبه.

وبدأت قضية المرتزقة والقوات الأجنبية، تطغى على السطح منذ أواخر 2019، عندما وقع أردوغان اتفاق أمنيا مع حكومة الوفاق غير الشرعية السابقة، بقيادة فايز السراج، ما دفعه للبدء في إرسال الآلاف من المرتزقة السوريين للمحاربة في صفوف “الوفاق” ضد قوات حفتر مقابل إغراءات مالية كبيرة.

وقدر المرصد السوري لحقوق الإنسان، الذي يوثق تحركات المرتزقة أن العملية بدأت، بإرسال نحو 4 آلاف مرتزق، من الميليشيات الموالية لتركيا في شمال سوريا، قبل أن تصل أعدادهم إلى 13 ألف مرتزق في مارس 2021، وقدرت المبعوثة الأممية السابقة ستيفاني ويليامز ، عدد المرتزقة في ليبيا بنحو 20 الف موزعين على الشرق والغرب.

وينتمي غالبية المرتزقة، الذين ترسلهم أنقرة إلى ليبيا إلى فصائل فرقة السلطان مراد وفرقة الحمزات ولواء المعتصم بالله، وهذه هى أشهر الفصائل الموردة لهم عبر جسر جوي لا ينقطع بين مطار معيتيقة الدولي ومطارات اسطنبول، وتشرف على تدريبهم وتسليحهم “شركة سادات” التركية العسكرية الخاصة.

ويرى خبراء، أن الدفع بالآلاف من المرتزقة والقوات الأجنبية من جانب أردوغان له أسباب عدة، في مقدمتها أن مقتلهم لن يكون له تأثير يذكر، عكس ما قد يحصل له داخليًا في حال عاد مئات الجنود الأتراك إلى ذويهم في “توابيت”، كما أن المرتزقة غير مشمولين بحق اعتبارهم أسرى حرب كجنود الدول مثلا، ولا يحركم شيء سوى المال، علاوة على أن تحريك المرتزقة ونقلهم واللعب بهؤلاء جزء من الاستراتيجية التركية في ليبيا وعبّر عنه مولود أوغلو، وزير الخارجية التركي، عندما قال خلال لقاء له مع وزير الخارجية الألماني، أن بلاده متفقة مع برلين على ضرورة سحب جميع المرتزقة الأجانب من ليبيا، لكن تركيا لديها “اتفاقا” مع الحكومة الليبية بشأن تمركز قواتها هناك. وهو ما يعني عمليا أن أنقرة مصممة، في المرحلة الحالية على الأقل، على إبقاء هؤلاء المرتزقة هناك وهو الموجود على أرض الواقع.

ووفق الانتماء والتوجه فإن المرتزقة الموجودون في ليبيا يتوزعون كالآتي:-

** المرتزقة الأتراك، وهؤلاء بدأ تدفقهم في البلاد، منذ وقع أردوغان مذكرتي تفاهم مع فايز السراج نوفمبر 2019 واحدة تتعلق بالتعاون الأمني والعسكري والأخرى تتعلق بتحديد مناطق الصلاحية البحرية، وقد اتبعت تركيا اتفاقها هذا بإرسال مئات من الضباط والجنود والمستشارين الأتراك إلى ليبيا.

** المرتزقة السوريون، وهم يتوزعون على الجانبين في الشرق والغرب، لكن أغلبهم يخص تركيا وميليشيات غرب ليبيا وهؤلاء بدأت أنقرة ترسلهم بالآلاف منذ بداية 2020 مقابل رواتب مالية كبيرة، ووصلت أعدادهم في الغرب إلى نحو 13 ألف مرتزق، ووصفت القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) المرتزقة السوريين بأنهم: غير مُتمرسين، وغير متعلمين، ودوافعهم وعود براتب كبير، وأشارت تقارير عدة عن لجوءهم إلى السرقة والاعتداء الجنسي وسوء سلوك من جانبهم في المناطق الغربية.

** المرتزقة الروس، وهؤلاء تم كشفهم بشكل رسمي من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، والتي اتهمت روسيا بنشر حوالي 2000 مرتزق لدعم قوات حفتر خلال هجومه على طرابلس العام الماضي، وقالت القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) إن هؤلاء المرتزقة عناصر  في شركة فاغنر، وهي شركة عسكرية خاصة، اتُهمت بشن حروب سرية نيابة عن الكرملين في دول مثل أوكرانيا وسوريا، لكن موسكو تنفي تماما شاركتها في الحرب الليبية بمرتزقة روس من جانبها.

** المرتزقة السودانيون، ومعظمهم  من  الجماعات الدارفورية، وهؤلاء موجودن في ليبيا بشكل كبير منذ عام2019 ويحاربون في صفوف حفتر.

** المرتزقة التشاديون، وهؤلاء موجودون في ليبيا منذ عام 2016 ويتركزون في الجنوب وتتوزع ولاءاتهم بين قوات حفتر في الشرق وميليشيات غرب ليبيا في الغرب، وأصبح الجنوب اليبي مرتعا للفوضى والتهريب وكافة جرائم تهريب الأسلحة والمخدرات والبشر بسبب وجود هذه العصابات والتي تشارك أيضا في الأعمال العسكرية.

علاوة على ذلك وجود طيف واسع من المرتزقة والقوات الأجنبية في ليبيا من جنسيات عدة ومتطرفين وإرهابيين وبالخصوص في المنطقة الغربية.

وفي الوقت الذي يقول فيه المبعوث الأممي الخاص، يان كوبيش، أن وجود المرتزقة في ليبيا لا يشكل تهديدا لها فقط بل لكل دول الجوار، إذ يمكن أن تشكل البلاد الغارقة في الفوضى قاعدة لكل أعمال التمرد، كشف التقرير السنوي الأخير للاستخبارات الأمريكية، المعروف باسم “تقييم التهديد السنوي”، أن الوضع في ليبيا قد يشتعل في أي لحظة هذا العام بالرغم من التقدم السياسي والاقتصادي والأمني المحدود في البلاد، وعزا ذلك إلى إن الأزمات التي تواجه الحكومة الآن هي نفسها التي منعت الحكومات السابقة من دفع عجلة المصالحة الوطنية، بل زاد عليها هذه المرة ملف وجود مرتزقة أجانب على التراب الليبي بأعداد ضخمة.

وفي الوقت، الذي دعا فيه رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوحدة الوطينة المؤقتة، محمد المنفي، إلى مؤتمر دولي في أكتوبر القادم، لحشد الدعم لاستقرار ليبيا، مطالبا المجتمع الدولى للاضطلاع بمسئولياته لدعم الجهود الرامية إلى إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، ومشددًا على أن خروج القوات الأجنبية والمرتزقة من البلاد سيسهم فى إجراء انتخابات آمنة وحرة ونزيهة وشاملة في ديسمبر 2021 المقبل.

قال رئيس لجنة الأمن القومي فيما عرف بالمؤتمر الوطني السابق، عبد المنعم اليسير، إن عدم خروج المرتزقة في الموعد المحدد سلفًا يناير 2021 الماضي كان متوقعًا، فالإخوان والأتراك يعلمون أن الاتفاقيات التي ترعاها الأمم المتحدة غير ملزمة لهم، رغم أنها نافذة قانونًا. ولفت اليسير، إلى أن الأجهزة الأخيرة التي خلقها السراج، وتربع عليها قادة الميليشيات، خالفت نصوص اتفاقيات 5 + 5، فالميليشيات والمرتزقة باقية، وليس هناك آلية واضحة تفرض أو تطلب من هذه القوات “أن تخرج”، وتابع أن الأتراك لهم مشروع كبير ولن يتراجعوا عن تواجدهم في ليبيا.

والخلاصة.. ورقة “المرتزقة المتأججة” في ليبيا والتي تخضع في الأساس لتوازنات دولية وتفاهمات روسية – تركية – أمريكية، ليست ورقة ليبية ولا هناك إرادة سياسية حقيقية، لاعتبارها الملف الأهم في الفوضى الليبية وأن حسم خروج المرتزقة، سيعيد لليبيا جزءًا من حياتها الطبيعية وتكون مستعدة لإجراء الانتخابات المقبلة في ديسمبر… لذلك تبدو السيولة الأمنية والعسكرية في المشهد الليبي هى الأساس طالما بقى “مرتزقة” وطالما انتفت السيادة الوطنية ولم يعد لها محل من الوجود في ليبيا منذ نكبة فبراير 2011.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق